إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

موضوعات الكتابة على هذه المدونة

30 يونيو (17) أخطاء لغوية (2) أخلاقيات (24) إخوان (24) البرادعي (1) التجديد و المذهب الصيامي (12) السيسي (4) الشرق الأوسط (3) الطب في بلاد الجهالة (2) المذهب الصيامي (20) المفضلة (13) الهيمنة الأمريكية (5) تجديد إسلامي (6) تجديد صيامي (20) تحليل سياسي (67) تدوين و توثيق (16) تربية (5) تصحيح إجتماعي (49) ثقافة إشتباك (45) ثقافة ثورية (45) ثقافة ثورية رد أكاذيب السياسة (2) ثقافة حوار (7) ثورة فكرية (32) جماعات إسلامجية (25) حراك 25 يناير (9) خطايا مبارك (14) خواطر (10) دفع فساد زمن الفتن (42) رابعة (1) رد أكاذيب السياسة (44) رد أكاذيب بإسم الدين (25) رد فتن التاريخ (8) سفاهات العرب (6) سفاهة الديموقراطية (14) سوريا (5) شرح الديكتاتورية (6) ضلالات الخلافة (2) ضلالة وجوب الإحترام اللفظي الزائد (1) طرق تفكير (2) عن الإخوان خطايا و طبيعة (18) عن كرهي للقراءة الطائشة (2) فكر جديد (24) فلسفة (14) فلسفة طبية (1) فهارس المدونة (9) قانون و دستور (2) قصص قصيرة (3) لقاءاتي المتلفزة (4) مصائب العولمة (4) معلومات طبية (1) مقتطفات (4) نظم حكم (5) نقد السلفية (1) نقد العلمانية (1) وجوب الديكتاتورية (2) My articles in english (6)
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 21 مايو 2013

حكايتي مع الهيليكوبتر بين حلب و بلبيس ومع الضبع الذي يرتدي فروة الخرفان،العقل مناط التكليف وليس الحواس و خلط العوام في معنى الأخذ بالظاهر








* أسكن في آخر طابق ببناية بجوار مطار حربي،
و كالعادة إنقطع عن منزلنا الكهرباء للمرة الثالثة هذا اليوم،
كنا في الليل فأجبرني إستعباد الحياة الحديثة أن أدخل إلى سريري محاولاً إستثمار الوقت في إراحة جسدي لأنه لا شيء أصبح يمكن عمله ليلاً بدون كهرباء !

تمددت أتصبب عرقاً فلا مراوح تعمل ، تناسيت هذا الدبق الذي يحيط بي و بدأ جفناي يتثاقلان و حينها أتتني هادمة اللذات لتنهي أملي في أي راحة مأمولة !
لا تأخذكم الظنون ، فهادمة اللذات لم تكن سوى هيليكوبتر حربية عتيقة في تدريب ليلي على بعد أمتار من سقف منزلي،

الهيليكوبتر قديمة فصوتها كألف غسالة ملابس بدائية من التي تسير من الحمام إلى الصالة في كل غسلة ،
كصوت مئة سيارة نقل صنعت في الستينات من التي تظنها عربة رش مبيدات من كثافة سحابة العادم الصادرة من شكمانها!

نحن في ليلة حارة دراسية مقطوع فيها الكهرباء ،
لذا لن تسمع في ليلة كهذه صيحات أطفال يتقافزون في الشارع و لا أصوات تلفزيونك و ثلاجتك ، لن تسمع ضوضاء الورشة في البناية المجاورة و لا صراخ الجيران لأنهم مفرهدين من الحر !
صوت الهيليكوبتر شديد الوضوح و مفزع كما لم أعهده من قبل ،
الهدوء كامل من حولي و الصوت يقترب من منزلي تحديداً بلا شك ، لو كنت مستهدفاً لأقسمت أن تلك الهيليكوبتر خرجت من هنجرها لإصطيادي أنا بالذات !

رغم كل ذلك لم أشعر بأي فزع أو خوف ، فقط كثير من الضيق لأن فرصتي في ساعة من نوم قد ضاعت،
ليس هذا لشجاعة خاصة أو لأنني كل يوم في معركة ،
لكني أنا و كل جيراني تعودنا الصوت فلم نعد نشعر منه بخوف،
الأطفال عندنا يصفقون و يلوحون للمقاتلات التي تعبر فوق رؤوسهم بعشرات الأمتار و هي تمطرنا بقنابل ضوئية غير ضارة أثناء حفلات تخرج دفعات الطيارين !


* الآن و بعد أن فارقني النعاس و ما زلت على فراشي الدبق تقافزت الأفكار و الذكريات في رأسي ، فتذكرت موقفاً مشابهاً لهيليكوبتر أخرى في بلاد أخرى كانت الكهرباء مقطوعة فيها كذلك ،
تذكرت مدينة حلب السورية !

تذكرت هيليكوبتر مرتزقة بشار الأسد و هي تحوم فوق مدرسة في حلب ، مدرسة هجرها تلاميذها فإستقرت فيها إحدى أشجع كتائب المقاومة السورية و تكرمت علي بإستضافتي هناك ،


كنا نجلس في فناء المدرسة المكشوف في وقت راحة بينما يعمل خبير بجوارنا على تفكيك دانات مدفعية غير منفجرة للإستفادة من محتوياتها في تصنيع ألغام أرضية ،
لا إجراءات أمان على الإطلاق و لا حتى الأولية السهل تنفيذها !! "الخبير" يجرب هل الصاعق مفجر الشحنة يعمل أم تالف بالطرق عليه و إنتظار سينفجر أم لا !!
البعض يراقب التلفاز ليعرف أخبار العمليات الحربية و الموقف السياسي و ينتظر خطاب رئيس مصر لعله يقول و لو كلمة تشعرهم أن لهم قوة ما في هذا العالم تنصر قضيتهم و لو بكلمة !
البعض الآخر ينظف سلاحه أو يحصي الذخيرة في المخزن ، و القليل مثلي يحتسي شرابه بعد وجبة غداء عبارة عن طبق مكرونة مسلوقة و بعض الفاكهة !

نعود الآن للهيليكوبتر ،،
جائت في أول ساعة دخلت فيها على هذه الكتيبة ،
كانت تحوم حول الحي كله هيليكوبتر حربية كبيرة ، تطير على إرتفاع عالٍ لتكون خارج مدى تأثير طلقات الرشاشات المتوسطة المضادة للطائرات ،
مع إرتفاع كهذا لا نكاد نسمع صوت الهيليكوبتر و لا نميز تفاصيلها ، كل ما يمكنك تمييزه هو مقدمة الطائرة من ذيلها و صوت دفعات إطلاق نار متقطعة ،
الشباب في الفناء رأوني أتأمل الهيليكوبتر و قد جعلت بيني و بينها معدة حديدية ثقيلة ،
أعلم من خبراتي في مستشفى حلب أن هذه الهيليكوبتر قاتلة بشكل فعال ،، إنها تسقط قنبل "براميل" التي إن تي على المنازل فتنسف عائلات في مذابح جماعية ، و رشاشيها الثقيلين على الأجناب يطلقان النيران بشكل عشوائي لإخافة المضادات الأرضية و في سبيل ذلك تقتل بلا تمييز من يقع في مجال إطلاق نيرانها !

أدخل لأرتدي درعي الثقيل و خوذتي و أسلحتي و أعود فيتندر الشباب الواثقون المسترخون في الفناء على ما نسجوه في خيالهم لنمط "الدكتور المصري" الذي أرعبته مجرد هيليكوبتر و يسألوني ماذا لو حدث قصف مدفعي أو صاروخي يا دكتور ؟!
يفاجئون أن "المصري اللين" يرد على المجاهدين بلسان "الدين" و أن "الطبيب" يرد على المحاربين بلغة "العسكرية" !
فأشرح لهم كيف أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يرتدي درعين في المعارك و هو من لا يخشى الموت ، فإذا فرطت و أنت مستطيع في حماية نفسك فأنت ملق بنفسك إلى تهلكة بغير سبب ، أما إذا فقدت حياتك ذاتها في دفع ضر أو جلب منفعة أمرت بها فأنت شهيد ،
ثم طلبت منهم بعدها أن يحمل كل سلاحه و يستعد منتظراً تحت كتل خرسانية و ليس في العراء فربما إضطررنا إلى إخلاء سريع لنبدء عملية كر على قوات قد تقتحم بعد هذا التمشيط الجوي ، أو لعملية فر نضطر إليها بعد قصف محتمل للمقر .

بعد لحظات من الدهشة إنصاع الشباب لأجزاء من الأمر فلم أكن سوى ناصح لهم و ليس لي عليهم إمرة ،
و هم - ككل عربي أصيل - يرون في الطاعة مذلة ، و في الحسابات المنطقية تنطع أو جبن أو قلة إيمان !

أتأمل الهيليكوبتر من جديد ، أتحسر على ضعف الحق و قوة الباطل في هذا الزمان ،،
أتمنى لو أن بلادي كانت أمدتني بصاروخ صغير مضاد للطائرات محمول على الكتف فأسقط تلك القاتلة و أحقن دماء مئات القتلى الأبرياء التي ستدكهم بقنابلها أو تفتت أجسادهم برشاشاتها !
أتذكر في نفس اللحظة أن بلادي لا يمكن أن تفعل ذلك طالما يحكمها المتآمرون و العملاء ، بلادي كل ما يمكن أن تفعله هو أن تفصلني من وظيفتي الحكومية بسبب الغياب المتصل كما أخبرني والدي في إتصال هاتفي في نفس اليوم !

بعدها أتجاذب مع الجميع أطراف الحديث ، فالمهتم بالسياسة أسمع منه تفاصيل جرائم عائلة الأسد في سوريا و أصف له حال الثورة المصرية و مواقف المصريين من الثورة السورية،
و المهتم بسبب وجودي بينهم أحاول أن أرفع روحه المعنوية بأن أخبره أن معظم شباب مصر يريد أن يكون معكم لولا تعذر ظروفهم المادية ،
و "خبير" المتفجرات أحاول أن أتأكد أنه يعي و لو أوليات بسيطة يمكن أن تمنع كوارث قد تنتج من تعامله الأرعن مع العبوات الغير منفجرة ،
مع الشباب الصغير أحاول أن أستمع إلى أحلامهم تارة و تارة أخرى أحاول أن أطلعهم على ما أعلمه من أوليات الخبرات العسكرية في التحرك و التعامل الآمن و الكفؤ مع السلاح الخفيف ،
و مع الجميع أحاول نشر بعض الوعي الطبي و السياسي و الديني عند شعب لا يدرك من الثلاثة أي شيء تقريباً بحكم الظلمات التي ضربتها عليهم عائلة الأسد لأكثر من خمسين عاماً !

و الجميع ،، الجميع بلا إستثناء يسألني المصريين يخرجون في مليونيات أحياناً بلا مطلب ،، لماذا لم تخرج مليونية واحدة للضغط لمصلحة الثورة السورية ؟ رئيسكم مرسي وعدنا بالنصرة لكنه حتى الآن لم يفعل أي شيء ! لماذا ؟
لا أجد جواباً سوى بث التفاؤل بأنه لا يجب أن تنتظر غيرك ليهدي إليك حقوقك إنما عليك أن تنتزعها بنفسك ، و أحاول أن أداري خجلي بأن أحكي لهم عن تعاطف المصريين مع قضيتهم و كيف يجمعون لها التبرعات و يرسلون إليهم بالمقاتلين !

ينتهي اليوم و أذهب إلى المستشفى لأبيت ليلتي في الإستقبال مساعداً طاقمه الطبي ، ثم أعود من جديد للكتيبة في الصباح مشاركاً الشباب في تحركاتهم إلى الجبهة و راحاتهم في المدرسة.

بعد أن راودتني تلك الذكريات قفز إلى عقلي إستنتاج بديهي لكني رأيت ان أشارككم فيه .


* هل تعلم لماذا سردت الموقفين اللذين عشتهما مع الهيليكوبتر بكل هذا التفصيل ؟
فعلت ذلك من أجل أن أستنتج سطراً واحداً :

( لا تحكم على الأحداث فقط بما تدركه "حواسك" ،، لكن قيم مجمل الظروف التي تحدث فيها بتحليل "عقلك" لما تدركه تلك الحواس )

في السطر السابق كل الفرق بين (القرار العقلي الإنساني) و (الردفعل المنعكس الحيواني) ،
و الأداة التي تستطيع تنفيذ هذا السطر لتحدث ذلك الفرق هي مناط التكليف و هي المميزة للإنسان عن الحيوان ،
هذه الأداة هي "العــــقل" .

تخيل موقفي الهيليكوبتر اللذين سردتهما سابقاً لو أننا تخيلنا أن هرة أو دجاجة هي من تعرضت لهما !!
هل كانت الهرة أو الدجاجة ستفزع أكثر و تضطرب و تحاول الهرب من الهيليكوبتر المقتربة بصوت هادر و التي تطير من و إلى المطار الحربي المجاور لمنزلي في مصر ، أم كانت ستخاف أكثر من الهيليكوبتر السورية القاتلة التي لا تكاد تسمع لها صوتاً أو حتى تميزها في السماء ؟!

الهرة و الدجاجة ستتصرف بناءاً على "حواسها" ،، الصوت المفزع بالتأكيد أكثر خطراً ، هكذا زرعت الفكرة في جينات فطرتها و في خبراتها المتعلمة الضئيلة ، هذه الفكرة ستجبر الحيوان على تنفيذ "رد فعل منعكس" هو الهرب كإستجابة لتهديد الصوت المخيف ، لكنها لن تغير مكانها لو لمحت طائرة تحوم في السماء أثناء فترة حرب !

الحيوان "مجبر" على أفعاله لذا هو غير محاسب عليها ، لكن الإنسان إبتلاه الله و أكرمه بالعقل و بإمكانية التفكير ثم إتخاذ القرار لذا فهو سيحاسب كإستحقاق لهذه القدرة ،
الحيوان يعيش بمجموعة "ردود أفعال" كل غرضها حفظ حياته و نسله ، أما الإنسان فيزيد على ذلك بقدرة على التحليل و الإستنتاج فالتعلم ثم الإبداع و غرض ذلك إعمار الأرض .


* أعتقد أنني لم أضف لمعلوماتك الكثير بالتفصيل السابق ،، لكني أحب أن أنبهك إلى نقطتين فيصليتين فيما أرى :

-  النقطة الأولى :

( أنت لست مخيراً في شأن إستخدام عقلك ) !
أنت منحته و إستخدامك له حق يجلب عليك الخير في العادة ، و عدم إستخدامه لن يعفيك من المساءلة !

عزيزي :

أدعوك لإستخدام عقلك ، و إستخدام عقلك أنت لا عقل غيرك ،
فكده كده إنت اللي هتحاسب عالمشاريب ،، سواءاً شربت أم لا ،، و سواءاً طلبتها بنفسك أو أوكلت غيرك في طلبها !!

و حسن الظن لا يعني التعامي عن الحقائق ، و لا الثقة في الآخرين تعني إلغاء عقلك ،،

أدعوك أن يتجاوز حكمك على الأمور قدر الحكم "بالمحسوسات" الظاهرة لسمعك و بصرك إلى قدر الحكم "بالمفهومات" التي يدركها عقلك ،
حتى تكن أقرب إلى فهم الحقائق و ليس مجرد جهاز تسجيل للصور و الأصوات !

فليس كل صوت مفزع خطير ،
و ليس كل هيليكوبتر تقترب من بيتك بالضرورة ستقصفه بصواريخها !
و ليس كل قاتل بعيد عنك خطره أقل !
و ليس كل صاحب لحية يدعي أنه يناصر شرع الله هو بالضرورة جندي فدائي في جيش العقيدة !

ربما كان الأخير صادقاً لكنه أحمق سيدمر ما يحب و يحرس مثلما قتلت الدبة صاحبها بحجر ثقيل و هي تحاول أن تحميه بإبعاد بعوضة عن جبهته !!

و ربما يكون دسيسة لكن أعداء الأمة إختاروا أن يدسوا السم في العسل فيجعلون رجلهم يشبهنا بل و يزايد علينا حتى نأمن إليه ، فيأتوننا من مأمننا كما يؤتى كل حذِر !!

لكن كثيرين يختلط عليهم الأمر ، فيحسبون أن التفكير في مثل ما أقول هو خيانة لأخوة العقيدة و الإنسانية لأننا أمرنا أن نحكم على الناس بالظاهر لا أن نفتش في الضمائر ،
و لمثل هؤلاء أوضح ما يلي :

- النقطة الثانية :

النوايا محلها القلب و لا يطلع على القلوب إلا مقلبها و علام الغيوب ، و أمرنا لذلك بألا نحكم على الناس إلا بالظاهر ،
لكن تذكر يا أخي أن للظاهر قسمان لا قسم واحد كما تفهم أنت :

فشطر من الظاهر – و هو ما تفهمه أنت – هو ما "أظهره الناس" من أنفسهم ،،
و شطر الظاهر الآخر – و هو ما غيبته من حسابك – هو ما "أظهرته الظروف" لك عن الناس من :

جودة أفكارهم ، أو ردائتها ،
حسن تخطيطهم ، أو حمقه ،
متسقة أفعالهم مع أقوالهم ، أم هم أهل نفاق أو عدم فهم ،
تتشابه أخلاقهم في العسر و اليسر ، أم يتلونون بإختلاف الحال ،
نادرة أخطائهم و عن سهو ، أم متكررة و متبجحة ،
و أخيراً جزء أصيل مما تظهره الظروف لك عن الناس هو نتائج أعمالهم أجاءت بخير أم كانت تربة و جذراً  لشجرة ظلم و فساد ؟!


و أخيراً من الدين و من ثقافتنا الموروثة أذكركم بقيمتين غائب فينا التوازن اللذي يأمران به إما بالإفراط في نصف المعنى أو التفريط في النصف الآخر :

( المــؤمن كــيِّــس فَــطِـــن )
( حــرِّص و لا تــخَــوِّنــش )


___________________________________________



سلسلة مقالاتي عن سوريا







الأحد، 5 أغسطس 2012

ما وراء الحقيقة : أسطورة التامر و الوجوه ،، الصلعة الجهنمية و مقهى الكاتالوج الملعون !






قصة (خيالية) قصيرة
) تــامر )
* مواطن "دولي" تقليدي ،، يعيش في دولة رأسمالية دستورها كان يقول إنها (إشتراكية) و هو لا يدري ،، دولة دستورها يقول أن (الشعب هو مصدر السلطات) الكلمة مع أنه لا يفهم معناها تماماً لكنها تشعره بالرضا ، إنه مهم حتى و هو لم يكن يوماً صانع لأي جزئية من فكر أو سياسة دولته تلك !!

- يعيش تامر طفولته كما يقول (كاتالوج العالم الجديد) بين اللعب و المرح ، ثم كم مهول غير مبرر من العلوم الطبيعية خالٍ تقريباً من أي علم إنساني ،، و بين الإلتزام بكل القيود السلطوية المفروضة عليه من الأهل و المدرسة و العرف و الحرام و أمن النادي و حتى بلطجية شارعهم !

- تامر الآن ودع الطفولة بكم مهول من فكر الخضوع ، و فراغ العقيدة ، و زحام معلومات غير مفهومة لن يستفيد منها أبداً ،، هو الآن (مراهق)  ،،

الآن سيسارع تامر مرة أخرى إلى كاتالوج العالم الجديد لينفذ (باب المراهقة) كما ينبغي ،، سيحافظ على الفراغ العقائدي ، و على العادة المحببة في حشر معلومات يدرسها بلا هدف ،، لكن ستقتضي المرحلة تغييراً ما بالضرورة ليكسبها نكهتها ،،

عندها سيخبره الكاتالوج أن الحل ليس الزواج ، و ليس الجهاد ، و ليس مزيداً من محاولة إستكشاف العالم بالسفر في أنحائه أو الغوص في مصادر معرفته ،،
الحل شيء آخر ،، سهل و متاح و آمن للحاكم و لتامر نفسه ،، الحل ببساطة هو كسر (أحد) القيود و هو الأسرة ، و إضافة قيد جديد (الشرطة) ،،
إضافات أخرى لإستيعاب إحتياجاته الجسدية الجديدة فهناك دوماً المحاولات المستميتة للوصول إلى الجنس الآخر و ما ينفق عليها من الجهد و الوقت و الفكر و المال ،،
ثم هناك صالات الجيم التي تكسبك مظهراً أقرب إلى ما يخبرك الكاتالوج أنه الشكل الحقيقي للرجل الجيد .

- تامر سيخرج يوماً من تلك المرحلة مؤهلاً بشهادة ما لمهنة ما ، و سنه الآن يضعه في خانة الرجال ، و لذا فلابد له ان يعمل ثم يبني عش الزوجية ليتزوج و ينجب و يعلف أولاده جيداً و يدخلهم مدارس باهظة من باب زيادة الإهتمام ، هكذا يقول الكاتالوج .

لا ننسى أن تامر الآن قد تغير عن المرحلتين السابقتين ،، فتامر لم يعد خاوي العقيدة و لا مسطح الفكر ،، كلا البتة ،، لقد عرف طريق التيليفزيون ،، فواظب أسبوعياً على مشاهدة ربع ساعة لداعية مشهور ، و يتناول العشاء يومياً أمام برنامج حواري سياسي يعده و يقدمه ناقد سينيمائي !!

تامر أيضاً لديه إنترنت و يعرف جيداً أن شرب الماء البارد يصيبه بتليف في الكبد ، و أن العسكريون هم فقط من يستطيع ممارسة السياسة بكفاءة ،، هكذا يعرف من صفحاته المفضلة على فيسبوك ،،

لقد تغير تامر و تعلم في الحياة الكثير ، تعلم أن التدين هو الدعاء و الذكر و تربية أولادك ، و تعلم أنه يحق له أن يكون صاحب رؤية سياسية حتى و لو لم يبنيها على أي منطق او معلومة ، و حتى لو لم تصل هذه الرؤية أبداً لصانع القرار ،، فتامر ينتشي فقط من مجرد فكرة حقه في حرية تبني رأي ما .

- سيعاني تامر عادة حتى يجد وظيفة ، و ما أن يجدها حتى يعلم أن كل ما درسه كان وهماً أو على أحسن تقدير هزلاً حتى و لو عمل من باب الحظ الجيد في وظيفة مناسبة لتعليمه ،،

- سيعمل تامر بكل جهده و سيقبض ثمناً لذلك مهما كبر أقل من قيمة جهده ،، ثم يفاجأ أن ذلك لا يكفي فيضطر للعمل أكثر ،، فيكتشف ان ذلك كافٍ لكنه يحتاج المزيد من الرفاهية ، فيجد الحل في أن يمارس مع صاحب العمل و العملاء بعض أنواع الذكاء الإجتماعي المكتوبة في الكاتالوج و التي يسميها المتشددون "نفاقاً" أو "رشوة" .

- سيبقى لتامر ساعتين أسبوعياً يستطيع قضائهما على المقهى في ليلة الخميس (هكذا يقول الكاتالوج) ،، و هناك سيتخلى تامر عن شخصية "ثور الساقية" التي يفرضها عليه الكاتالوج في العمل و المنزل ، ليتقمص شخصية "الطفل المستمتع" مستخدماً كم معلوماته و افكاره العظيمة المستقاة من برنامجيه المفضلين ، مضيفاً إليها مشاعر التحرر من قيود المنطق المفروضة عليه (كاتالوجياً) في باقي الحياة ، لينتج مع رفاقه حديثاً فارغ المحتوى معدوم النتائج ،، و هنا تبدأ قصتنا :)  

- تامر الآن على المقهي منشغل في النظر إلى قشاط الهبيك الذي في يده و هو يحاول إيجاد ( اللحظة الفارقة ) للنزول به و قفل الدومنة على صديقه ،،

أمام تامر صديقه الذي يلاعبه بينما ينفث كقاطرة بخارية معطوبة دخان الشيشة التفاح ،،
و على جانبيهما صديقين آخرين أحدهما يلعب في الموبايل محاولاً تنزيل آخر تطبيق لتكبير حجم الأنف أكبر في الصور لتصبح مضحكة ،
و الآخر منزلق على كرسيه في إسترخاء و يعقد كفيه خلف قفاه و على وجه إبتسامة جذلة مليئة بلذة المعرفة مع ذلك لا تخطىء فيها أيضاً مسحة من البلاهة !!

- تامر : سمعتوا يا جدعان الل بيحصل في سوريا ؟ بيقولك بشار إبن الهرمة ده هيفضل يموت في الناس لحد ما الشعب يخلص !

- يرد القاطرة المعطوبة : يا عم بطل فَتيْ ،، ده بيقولك كل الصور اللي بتشوفها عالفيس دي فوتوشوب و الفيديوهات أصلاً من أيام العراق ،، كركركركركر ،، ولعة يا زينهم الله يخربيتك الحجر طافي ،، إنزل بالدو سيه يا معلم معادش معاك غيرها ،، كركركركركر

- ينتبه فجأة محدث الموبايل التاتش ليقول في مفاجأة : إقفش ،، لقيت حتة دين أبليكايشن يخليك تصور صاحبك هيكل عظمي زي الأشعة بالظبط ،، بص كده يا طمورة (و يوجه الكاميرا إلى تامر ليصوره)
- تامر : هوا إنت هتفضل طول عمرك كده ،، يا عم ركز ،، إحنا كنا بتكلم على سوريا .
- الموبايلاتي : يا عم سورية مين ،، متخلينا في البلا اللي إحنا فيه ،، شوف حالك الأول و بعدين دور على غيرك ،، و اللي يعوزه بيتك يحرم عالجامع .

- القاطرة المعطوبة مستحسناً : وعيه يا إبني لحسن عاملي فيها جيفارا ،، هوا لوكل واحد ركز في شغله و بيته مش كان زماننا زي كوريا دلوقتي و لا سنغافورة ؟ كركركركركر ، زينهم زود النار هيحرقلي سدري إبن القديمة !

- تامر : جهار الدو ، قفلت يا معلم ،، يا جدعان انا بسأل يعني أدينا بنتكلم هوا الكلام حوروم ؟!  ثم يعني الواحد لازم يكون واعي باللي حواليه و نتعلم منه ، إفرض يا خويا منك ليه إبنك سألك عن المناظر اللي بيشوفها دي هتقوله إيه ؟

- يعتدل المسترخي الصامت ليتخذ وضع جلوس يليق بأمين عام عصابة الأمم المتحدة و محافظاً على نفس الهدوء و الإبتسامة الغير مبررة و يقول : هتفضلوا سطحيين كده دايماً و عمركوا ما تفكروا أبعد من اللي بتشوفوه ،،
مين فيكوا يعرف إن الثورة في سوريا هي ثورة سلفية إخوانية لأن بشار ده شيعي أصلاً ؟
طيب مين يعرف إن بشار هوا الوحيد اللي واقف زي العقلة في الزور لأمريكا و عامل قواعد للصين و روسيا في بلده ؟
اللي ما تعرفوهوش إن كل رؤساء المخابرات اللي ماتوا دول كانوا ضد بشار أساساً و هوا بعت ناس تقتلهم عشان ينتقم من الموساد اللي خطط للتفجير اللي مات فيه وزير الداخلية و وزير الدغاع بتوعه ،،
أقولكوا حاجة كمان ،، السعودية بتدعم الجيش الحر عشان أمريكا بتدعمه و علشان ايران ما تكملش القوس الشيعي و تقفل على مراوح السعودية السنية ، و أمريكا شايفة إنها لازم تساعد في كسر القوس ده أهو منها تكسب بترول الخليج و في نفس الوقت تدمر الأنظمة الشيعية اللي مطلعة عينيها من اول إيران لحد حيظبالّه و في وسطهم بشار !!

* فجأة ينقطع التيار الكهربائي (كالعادة) فتنطلق أصوات متنوعة معظمها من الأنف بما يدل على الإمتعاض ، و بعضها من مكان آخر بعد إفطار دسم لكن الحياء كان يحبسها خوفاً من الفضيحة في وجود الإضاءة ،،
لكن هذه المرة يحدث شيء عجيب ،، يظهر نور خافت قادم من البلاعة العمومية للصرف الصحي في شارع المقهى ،، يصاحبه جذوة نار صغيرة تقترب من طاولة تامر و أصدقاؤه ،، بعد لحظات يتبين الأصدقاء ملامح وجه (شبه) بشري في تلك الجذوة و إذ بهم يشهقون و يقول صاحب الموبايل التاتش : "قل أعوذ برب الفلق ،، إنت مش مت من يومين ، و لا كان شغل مخابرات ده ، و لا بنحلم و لا إيه بالظبط" ؟؟!!

- يلتفت الجميع إلى الصوت القادم من الوجه المحمول على الجذوة النارية ليستوضحوا معالم وجه سي عمر و هو يصيح : "أيوه يا حيليتها ،، مت من يومين و أنا بعمل تحاليل يا أهبل مش قالولك كده في التيليفزيون" ؟

ينتفض الجميع لسماع الصوت الجهوري العميق و يحمدون الله أنه لم يحاول التحدث بالإنجليزية و إلا كانت المصيبة مصيبتان ، و للحظات تمر كأنها دهر يخيم السكون كأن أحدهم داس على زر (بوز) في البلاي إستيشن ، ليقطع سي عمر هذا الوجوم القاتل لكنه تقمص على حين غرة شخصية (أم مشمش) قائلاً :
"كنت متنيل ميت و مرمي في أم الطربة ،، مش كفاية اللي انا شايفه من زميلي الأقرع إلا يا أخويا و أسمعلك صوت المخفي إبن الفتاية اللي قاعد معاكوا ده و هوا عاملي فيها سويلم و لا ذي اليزل و عمال يكلم في شغلنا و لا كأنه بروح أمه كان قاعد معانا في الميتينج و لا كنا ضايفينه معانا عالشات و إحنا بنخطط"!!
- يمد سي عمر يده الإفتراضية ليأخذ نفساً من شيشة القاطرة المعطوبة ليهدأ أعصابه ، ثم يسعل بشدة قائلاً :
"إنت يا إبني بهيم ؟ إيه اللي بتشربه ده ، إنت بتعود نفسك على جهنم سِنة سِنة عشان تبقى جاهز و لا إيه" ؟!

- يشير إلى زينهم فيمد الأخير يده أوتوماتيكياً في رعب بما يحمله من فحم فيبلعه سي عمر في دفعة واحدة على سبيل تغيير طعم فمه من عفن ماء الشيشة ، ثم ترتسم عليه علامات الهدوء مرة أخرى ليقول بصوت واضح و هادىء موجهاً حديثه للجميع :

"إنتم و لا حاجة ،، إنتوا شوية معيز أنا بربيها ،، أنا اللي بعملك سياسات تعليمك و شغلك و قوانينهم ، أنا اللي برسم حدود حريتك اللي هيا آخرها هنا في القهوة ،، انا اللي بجيبلك الأخبار و بقيفها على مزاجي ، أنا اللي بخليك تختار اللي أنا عاوزه كإنك إنت اللي عاوزه ، أنا اللي بقولك مين حلو و مين وحش و مين خاين و مين وطني ،، هييجي بعد ما أموت (بــرص) زي اللي قاعد ده يقعد يعملي فيها فلوطة و يفكر و يحلل شوية حاجات انا و إصحابي اللي مطلعينهاله في التيليفزيون ؟! فيه إيه يا غجر ،، هوا إنتوا فاكريني عشان مت يبقى خلاص هيصة و نزيط ؟! فعلاً انا كان لازم اموت بط هوين ؟ أكيد بعد ما آخد اجلكوا كلكوا يا إولاد الفتّاية"

ثم تتمد الجذوة النارية التي تحمل الوجه لتتحول إلى جسد ناري كبير ذو ذراعين ناريين ،
يمد الجسد ذراعيه ليلتقط سيفين من على الحائط كانا مرسومين متقاطعين في دائرة خضراء بها بعض الكلمات التي تم طمسها حديثاً و كتابة كلمات جديدة فوقها فيها على ما يظهر ما يدل على أن أحدهم يحمل شيء ما  من على جدار إحدى المنظمات التي كانت سرية حتى وقت قريب ،،

يتحول السيفين إلى جمرتين و يلوح بهما سي عمر في فرحة تنينية تقليدية تبعث على النعاس من فرط الملل ،، و كالمتوقع يهدد بهما كل الحاضرين و يتوعد بحصد الأرواح ،،

يتصايح الناس و يتذكرون حينها وجود الله و يدعونه لكي ينجيهم رغم أن معظمهم لم يركعها منذ أسبوع ،، و في نفس اللحظة تأتي ريح باردة عطرة الرائحة من نهاية الشارع يصحبها نور ساطع ، و ما ان يقترب حتى تميز فيه وجوه أطفال على وجوههم البيضاء إبتسامة رضا مع لمحة من عتاب و إستنكار ،،

ما ان تقترب الوجوه من الجسد الناري حتى يخبو و يتحول إلى رأس سليمانية صلعاء تتدحرج وحيدة بعد أن تخلى عنها الجسد ، ثم بعد عدة دحرجات ينمو للرأس ذنب أفعى تزحف به ، فتحاول الرأس الدخول لبلاعة الصرف الصحي التي خرجت منها اول مرة فلا تستطيع بسبب كبر حجم الصلعة ، فتنفجر الرأس متحولة إلى سيل من الصراصير تتسلل جميعها من ثقوب البلاعة في سلاسة جمبازية .


* يهلل الناس لإختفاء الخطر (العميق) في غياهب البلاعة (العميقة) و يلتفتوا ليشكروا الأطفال فيرد عليهم الأطفال بلهجة يعرفونها من متابعة المسلسلات التركية المدبلجة :
"لا شكر على لا واجب ،، أتلتونا و نحنا بنيجي نخلصكم"

- بعد أن ذهبت دهشته يصيح صاحب الموبايل التاتش كمن عرف إجابة سؤال الأستاذ طارق علام :
"إنتوا سوريين ،، صح" ؟!
-
يجيب الأطفال :
"إيه ،، (كنا) سوريين ،، و هاي الرؤوس إنفصلت عن الأجساد بصمتكن و تخاذلكن"

- يصيح القاطرة المعطوبة : "إحنا ؟! إحنا اللي قتلاناكوا ؟! طب و إحنا كنا نعرف منين غن اللي بنشوفه ده صحيح ؟! مش يمكن دي مؤامرة علشان يستدرجونا لحرب جديدة" ؟؟!

- يحل الإمتعاض بدلاً من الإبتسامة على وجوه الأطفال من فرط فكاكة القاطرة المعطوبة و بردون :
" و إفرض يا زلمة إنه كان فعلاً مو كيلوه صحيح ؟ إنت ما شوفيت أطفال عم تنقتل بديارها و حتى بشار الكلب معترف فيها بس بيقول إنه دول أبناء إرهابيين ؟ و ما شوفيت  رجال بينداباح بس لإنه يقول لا إله إلا الله و يرفض يعبد إسم بشار أو صورته ؟ طيب ما شفت عائلات نازحة من سوريا لعندكن بمصر ، هربانين دول و لا جايين يصيفوا حدكم في جوكم اللي عم يخنق الشياطين هدا ؟؟!!  ربك يا زلمة لما راح يحاسبك راح يحاسبك عاللي بتعرفه مو عاللي ما بتعرفه ! إنت عرفت إننا عم ننقاتال هادي حقيقة ،، كونك ما عرفت (كل) الصورة ما بيشيل عنك ذنب إنك ما نصرتنا لما إستنجدنا فيك"

- يتخلى الآن الصديق الفكيك الذي إستفز الروح (العميقة) أول مرة عن رزانته و لغته التوكشوهية ليرد بشكل شديد المصرية التبريرية :
"إحنا بس غاية ما هنالك كنا بتقصى عن الموضوع بالهداوة كده عشان نوصل للصح من غير ما حد يشتغلنا و لا مؤاخذة ،، مش ندالة يعني بس عشان منتسرعش و نرجع نندم"

- الآن يزيد الإحتقار على الإمتعاض الأصلي المرسوم فوق قسمات الوجوه الصغيرة و تعلو نبرة صوتها قليلاً قائلة :
"و إيش كنت راح تعمل يا أبضاي بعد ما عم تعرف الحقيقة الخالصة ؟! كنت عم بتمصمص شفايفك و تدعي زي ما دعيت على اللي بيحفروا تحت الأقصى يا اللي هوا مقدس في كل الأديان ؟ و لا كونيت بتجعير أودام الجامعة شويتين زي ما عملت لما النسوان الحوامل إندبحون و إغتصبون بالبوسنة و ما نصفهون إلا الناتو ؟ لا معلهش آسفين لا إلاك ،، يمكن كنت تبقى بطل عن جد و تتبرع بعشرة جنية زي ما عماليت مع اللي إنطردون من بلدهن بالشيشان ؟! مالكن ؟ إنسيتن إن في شي إسمه نصرة الإنسان المظلوم فما بالكن بالمدبوح ؟ نسيتن إن فيه شي إسمه نصرة المسلم المكره في دينه ؟ نسيتن إن فيه يوم ممكن تكونوا بمكانا و تتمنوا حد بس يبعاتيلكن طلقة لتدافعوا بيها عن نفسكن ؟! "

- هنا ينطق تامر و هو في قمة الإنكسار لكن ذلك لم يمنعه عن السؤال بصوت خفيض :
"مع إحترامي يعني للي إنتوا كنتوا فيه ، بس إحنا كان في إيدينا إيه نعمله ؟ دا شغل دول إحنا كمواطنين ملناش يد فيه و مجهودنا أساساً مش مضمون إنه ينحج من أساسه" !

- يغيب الإحتقار و الإمتعاض لترى على وجوه الأطفال نظرة حسرة عميقة و هم يلومون تامر :
" ما كنت تقدر تعمل شي !! و ما كنت متأكد من النجاح ؟! شو ،، نسيت إنك عبد مسؤول عن السعي و فكرت حالك رب مسؤول عن القدر و النتيجة ؟؟!! ما كنت تقدر تسافر علبنان أو تركيا بألفين جنيه و تتسلل لتوصل إلنا تحمينا أو تعالجنا و توصلنا معونات ؟ ما كنت تقدر تدور بالجمعيات ياللي بترعى إخواننا ياللي هربوا عندكن على مصر و تسألهم عن طريقة للوصول أو التبرع أو حتى كفالتهن هنا نفسهن ياللي هربوا ؟! ما كنتوا تقدروا تضغطوا على ياللي إنتخبتوه أو عالعسكري بماليونية أو حتى إعتصام زي ما عملتوا بموضوع ماليونية دعم الرئيس أو إعتصام الضبطية القضائية ؟! ما كنتوا تقدروا تعلنوا الزحف السلمي لميناء الإسكندرية و الإعتصام بيه لحد ما يسمحولكن بالسفر للجهاد أو يحلوا هما القضية من الضغط عليهن زي ما الأبضاي أسد الفرات دايماً بيعمول ؟؟!! و الله إنو كيف ما عم تحكوا إنتوا ،، الله خلق الجدع جدع و الجبان جبان و إليه وحده نشتكي و نخاصمكن في حقنا عندكن يوم القيامة ،، فننصحكن جهزوا حالكن لهاليوم".

* ينصرف الضوء بعيداً مع شروق شمس يوم الجمعة حاملاً معه وجوه الأطفال بعد هذه الليلة المفعمة ،، و يعود تامر لمنزله عازماً على أن يساهم بأقصى ما يستطيع لنصرة القضية السورية ،، و يذهب دون ان ينام ليلته ليصلي الجمعة و يسأل بعدها الشيخ عن حكم الجهاد في سوريا :

- تامر : يا شيخ جاتني رؤيا إمبارح إني لازم أسافر اجاهد في سوريا و كنت عاوز رأيك .
- الشيخ : و هوا يا إبني الجهاد ده (بتعطيش الجيم) مش بيكون بعد ما ولي الأمر ينادي في الناس "حي على الجهاد" و لا كله مع نفسه و الحابل في النابل ؟!
- تامر : أيوه يا شيخ بس إحنا ما عندناش ولي أمر شرعي ، لا بايعنا حاكم ، و لا حتى بالقانون الوضعي لنا حاكم شرعي لحد وقت قريب !
- الشيخ : لا يا أخويه ،، "المستقر له الحكم بالضرورة" حتى و لو ما كانش مبايع يبقى حاكم شرعي طالمه بيجول لا إله إلا الله و بيسيبك تصلي .
- الشيخ : عندك أولاد و زوجة و أم و أب ؟
- تامر : عندي أولادي و معاهم امهم الحمد لله اهلها موجودين و ميسورين و أنا كمان سايبلهم قرشين بساط في البنك ، و امي صحتها عال و ساكنة مع اخويا الكبير و أبويا تعيش إنت .
- الشيخ : طيب أمك موافقة ؟
- تامر : مزمزقة شوية بس ممكن أقنعها يعني بالمحايلة .
- الشيخ : آه ،، هتغضب أمك آهوه ،، ربنا هيجبل منك جهاد و لا غيره بالشكل إيده ؟؟!!
- تامر : بس يا شيخنا أحاديث نصرة المظلوم و خصوصاً اللي بنقتل و بالذات اللي بينقتل بسبب دينه دي هنوديها فين بس ؟ هغضب ربنا عشان أرضي أمي ؟!
- الشيخ : الدين يسر يا أخويه ،، و ديه إسمه "جهاد طلب" يعني بتجاهد برا أرضك لنصرة دينك و ده مش فرض .
- تامر : برا أرضي !! و هي فين أرضي يا شيخ ؟ هوا لما ربنا هيحاسبني هيحاسبني على أساس الحدود اللي راسمها الإنجليز و لا هيحاسبني إني سبت مسلم بيندبح عشان مرضيش يكفر  ؟!
- الشيخ : و الله ما فيكوا خير ، جيل إتغر بالنت و كل واحد فاكرلي نفسه مفتي ، أني خلصت ذمتي منك و روح إنت إرمي نفسك في التهلكة لو عايز .

* يعود تامر لمنزله مهزوز القرار و يفكر و هو يسير في مخرج لأزمة ضميره فتلمع فكرة في عقله أن يتبرع بنصف مدخراته لنصرة قضية سوريا ، و يفكر في طريقة ليقنع بها زوجته فيقرر أن يتبع سياسة خدوهم بالصوت ، فيدخل للبيت يعلوه الوجوم و يجلس صامتاً أمام التليفيزيون و يفتح قناة الجزيرة و يصرخ في البيت غاضباً:
- تامر : شفتي يا ست هانم اللي بيحصل ،، الناس بتموت جوا بيوتها و مش لاقيين ياكلوا و إحنا هنا قاعدين في التكييف و لا كأن فيه دم أساساً ،، الناس دي إخواتنا و انا أبويا جالي في المنام و سمعنى ما أكره و قالي غني لازم أخلي عندي نخوة و اتبرعلهم بخمستلاف جنية من اللي في البنك.

- الزوجة في لؤم يظهر في كهدوء تكتيكي لإستيعاب الغضب ثم توجيه دفة الحوار للوصول لما تحب :
"و لا يهمك يا حبيبي ، هما ليهم رب ، و إن شاء الله ربنا مش هيسيبهم للظلم ده كتير ، لكن إحنا زي ما إنت عارف ضهرنا مكشوف ، لا ورث و لا ملك ، و حياله مقضيين بقيت الشهر سلف"

- تامر : ده كلام بس عشان ما نغرمش حاجة ، إحنا مستورين الحمد لله و معانا عشرتلاف جنيه في البنك شايلينهم للظروف ، نعتبر كأن حد مننا لا قدر الله إحتاج عملية و لا حاجة و صرفنا الخمستلاف عالعلاج ، و اللي عند ربنا ما بيروحش.

- الزوجة وهي تضرب بكفها على صدرها و تصيح بعد أن تأكدت من فشل تكتيك الهدوء فقررت إظهار الأنثى المصرية الحقيقية التي تحسم المواقف :
"عملية ؟! ما بيروحش ؟! إنت إتدروشت و لا إنجذبت و لا باينك شايفلك شوفة و بتعملهم عليا ،، اللي عند ربنا ما بيروحش يا أخويا صحيح ، بس انا اللي بروح ،، و رحمة امي ما اقعدلك فيها لو اللي في دماغك ده حصل"

- تامر سعيداً من داخله لرحيلها متصنعاً الحزم و عدم المبالاة :
" بالسلامة يا اختي و القلب داعيلك ، هوا يعني إنتي أبقالي من آخرتي ؟!

- الزوجة و هي تهم لوضع بعض الأسمال على جسمها المنتفخ الإسطواني المقطع و  تضع أسمالاً أخرى في حقيبة سفر و معها مجوهراتها على سبيل الإحتياط:
"أنا عند أهلي لحد ما تعقل ،، و الحساب يا مفتح ما ينفعش حد فينا يسحب منه إلا لما إحنا الإتنين نمضي"

- يمر السبت و الأحد و الإثنين و يتحول البيت إلى ما يشبه المحيط التقليدي لأي صندوق قمامة في شوارع القاهرة ، و تفرغ الثلاجة من الطبيخ البايت فيقرر تامر أن يتعقل و لا يتمادى لأنه غير قادر على طلاقها لإلتزامات مادية ستقصم ظهره لو أراد ذلك ، و لأن (كاتالوج الحياة الحديثة) يقول أن الطلاق عيب ، و أن أبناء المطلقين ينشأون سفاحين بالضرورة كما يحدث في كل المسلسلات العربية ، فيتصل بحماه  و يخبره بقدومه و يجلس الرجلان في عتاب أبوي تكاد تموت من الملل لتوقعك كل جمله حرفياً كأنها مقصوصة من مسلسل عربي هي الأخرى ، أو منقولة من (كتاب الناشيد المصرية) فيقول الرجل العجوز :

" يا إبني إن أبغض الحلال (و لا يكمل الجملة لأنها معروفة بالضرورة فهي جزء من الوجدان الإنساني اللاواعي لكل مصري) ،، و بعدين إنتوا مالكوش إلا بعض ،، إغزي الشيطان و صالح مراتك و سيبك من اللي في دماغك ده ،، كلنا كنا شباب زيك و متحمسين و كان لينا شطحاتنا (ثم تاتي الأبتسامة التقليدية الواثقة للعجوز الكذاب و هو يصطنع بطولات وهمية) بس عمرنا ما خربنا بيوتنا و لا ضحينا بمستقبل عيالنا"

- تامر : و الله يا عمي الواحد متلخبط ، أنا سمعت بودني كلام يلين الحجر ، و كله حقيقي و صح ، و سألت الشيخ لخبطني ، حبيت أتسند على مراتي قالتلي إني غلط ، و إنت كمان اهوه أكبر و تعرف أكتر و برضه بتقولي إني غلطان ،، يبقى أنا أكيد غلطان ، مش معقول الكل غلط و انا اللي صح يعني ثم (كاتاوج الحياة الحديثة) مش مكتوب فيه أي حاجة عن الجهاد أو الأخوة أو كده ،، كل اللي فيه إني لازم أعيش كويس و إن مسؤول عن بلدي و بس ، و بلدي مصر حماها الله ، الله الله زي ما الأستاذ محمد ثروت قال بالظبط"

- يشرق وجه العجوز و يتناول الكاتالوج من درج خفي في طاولة الصالون ، و يقلب بعض الصفحات حتى يصل إلى بغيته ، و يشير لتامر كي ينظر ثم يقول :

"أنا كنت عارف إني مجوز بنتي لراجل عاقل ، شايف يا تامر يا إبني مكتوب إيه في الكاتالوج : مكتوب إنك لازم تأمن مستقبل أولادك بقرشين في البنك ، و لازم تشيل قرشين للزمن ، و إنك لازم تجهز في مقدم العربية لأنك كلها سنتين تلاثة و تبقى رئيس قسم في الشركة و ما يصحش تركب مواصلات ، و قسط المدرسة التجريبي لازم يندفع و إلا العيال نفسيتهم تتأثر لما الميس تطلب منهم المصاريف في طابور الصبح ،، و كمان لازم تشيل قرشين كل سنة لزوم أسبوع راس البر و إلا العيال يحسوا بالكبت و الحرمان و مراتك متلاقيش منفس من هم طول السنة ،، ربنا يا إبني يكملك بعقلك و إعرف إن الكاتالوج ده هو الطريقة الصح للحياة ،، انسى الرجعيين بتوع الجهاد ، و الرومانسيين بتوع الإنسانية و حقوق الإنسان دول ،، الراجل ملوش إلا بيته"


- يعود تامر و في يده المدام و الأولاد و يشترطون عليه ان يدعوهم إلى العشاء في مطعم فاخر ، فيستهلكون جزء لا بأس به من المدخر في حساب البنك ، يدخلون إلى المنزل و تعود المياه إلى مجاريها و تنتشي الزوجة لسيطرتها على مجريات الأمور في عرينها و خضوع الأسد الجريح في أحضان لبـ...ته ،،

يستمر العسل ليومي الثلاثاء و الأربعاء ، فيجهز تامر لخروجة المقهى ليلة الخميس و يتصل بصديقه على موبايله التاتش فيرد الآخر من السماعة الهاندفري ليؤكد حضور الشلة كلها ،،
- يلتقون على المقهى من جديد و يحكي تامر ما حصل معه في الأسبوع الماضي حتى ينتهي من السرد ، بينما يكركر القاطرة البخارية في شيشته و تخترق أصابع صاحب الموبايل الجديد شاشته التاتش فيعتدل المسترخي العالم ببواطن الأمور في جلسته عندما يقول تامر :

" دا باين القيامة هتقوم و لا إيه رجالة ؟! شوفتيش آجدع اللي بيحصل في بورما" ؟؟
!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!